عبد الملك الجويني

197

نهاية المطلب في دراية المذهب

ذلك على أقرب وجه يقتدر عليه ، وإن كثرت الأفعال ، ومست الحاجة إلى استدبار القبلة ومشى فرسخاً مثلاً ، فإنه يبني على صلاته ، ولو أمنى أو أمذى ، فالكل على وتيرة واحدة . فإن قيل : فَلِمَ خصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر أشياء معدودة ؛ وإذا كان المذهب مبنياً على الخبر بعيداً عن القياس ، فهلا اختص بما اشتمل عليه الحديث ؟ قلنا : إنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجري في الصلاة وِفاقاً ؛ فإن الرعاف وذراع ( 1 ) القيء مما يفرض جريانه في الصلاة إذا تعسر التماسك منهما ، وكذلك الرجل المذاء قد يبتلى بالمذي في أثناء الصلاة ، فعلمنا قطعاً أن الحديث لو صح ، فإنما اختص بهذه الأشياء ؛ لأنها الجارية في العرف غالباً ، وأبو حنيفة ( 2 ) حكم بانقطاع الصلاة بخروج المني ، ونزَّل الإمذاء منزلة الإمناء ، وإن كان منصوصاً في الخبر ، وألحقَ سبق البول بالرعاف والقيء . 905 - ولو تحرّم الماسح على خفه بالصلاة ، على طهارة المسح ، ثم انقضت مدة المسح أثناء الصلاة ، بطلت الصلاة وفاقاً - وإن فرعنا على القديم في سبق الحدث - والسبب فيه أنه قصر ، حيث لم يرع قدْر المدة وانقضائها ، وكان كالذي يتعمد إلى الحدث ( 3 ) . ولو تخرّق خفُّه في الصلاة وبرز القدم ، ففي المسالة وجهان : أحدهما - تبطل الصلاة ، كانقضاء المدة ؛ فإنه مقصر من حيث لم يرع ضعف الخف ، وكان كتقصيره في أمر المدة . والثاني - أن التخرق كسبق الحدث ؛ فإن التقصير لا يظهر فيه . 906 - ولو رأى المتيمم الماءَ ، فالمنصوص عليه في الجديد أن الصلاة لا تبطل ، وليس ذلك كسبق الحدث ؛ فإن رؤية الماء في نفسها ليست مبطلة للوضوء حتى يتمكن

--> ( 1 ) كذا في جميع النسخ ، والمعروف فيما بين أيدينا من المعاجم : " ذَرْع " فلعل لها وجهاً لا نعرفه ، ثم جاءتنا ( ل ) وفيها : " ذرع " . ( 2 ) ر . البدائع : 1 / 222 ، حاشية ابن عابدين : 1 / 406 . ( 3 ) أي يقصد إلى الحدث ، وفي ( ل ) " كالذي يتعمد الإقدام إلى الحدث " .